ديلفت مدينة الأمراء والبورسلين
عندما تخفت كل الأضواء، وتهدأ حركة الحياة، خلف النوافذ الزجاجية فى المدن الصغرى بالأراضي المنخفضة “هولندا”، تبقى “ديلفت” ساهرة صاخبة بالحياة ومتفاخرة بآثار عز قديم عريق، وعصرى متطور.. إنها مدينة امسكت بالمجد من أطرافه، وتبدو لمن يقترب منها وكأنها لوحة فنية ألوانها زاهية بالبورسلين.. وكيف لا وهى مدينة الأمراء والذهب الأزرق.
اسمها الأصلى هو “ديلف” .. وهو اسم أقدم قناة مائية فى هولندا ويعنى “خروج المعدن من باطن الأرض” فى إشارة واضحة إلى المعادن الموجودة فى رحم أرض هذه المدينة التى يطلق عليها بالهولندية اسم مدينة الأمراء “برنس ستاد” فيما يطلق عليها البعض اسم مدينة الذهب الأزرق.
خزف ملكي
فعلى حدود المدينة “ديلفت”، وفى منتصف الأراضى المنخفضة، توجد وحدة ضخمة من المبانى وهو معمل الأبحاث المائية، وهو الوحيد بهولندا وله شهرة على مستوى العالم كله، ويقدم المعمل خدماته للمعامل الأخرى فى العالم، ولحظة دخول الزائر إلى إحدى صالات المعمل الكبيرة سيجد نفسه وقد أصبح عملاقًا يخطو بقدميه سبعة أميال فى خطوة واحدة من مدينة لأخرى عابرًا الأنهار والروافد والكبارى والسدود، ففى المعمل يتم صنع جميع النماذج المصغرة لسدود والكبارى والحواجز المائية وإجراء التجارب عليها لمعرفة تأثير الماء على الأراضى بأسلوب لا يختلف عن الطبيعة، وقد نجح هذا المعمل على مر السنوات ومنذ إنشائه عام 1927 من خلال الأبحاث والتجارب على إنقاذ هولندا من كوارث محققة كان يمكن أن يحدثها بحر الشمال أو نهرا الراين والماص، وبالإضافة إلى معمل الأبحاث المائية توجد بالمدينة مصانع خمائر الخبز، وأشهر مصنع للعدسات الطبية والحربية فى العالم، ويملك هذا المصنع ما لا تملكه مصانع العالم من تقنية وامكانيات حديثة.
عز قديم
العاصمة السياسية لهولندا “لاهاى” وبوابة أوروبا “روتردام” ويبلغ العدد الكلى لسكانها حوالى 90 ألف نسمة وتاريخ المدينة يعود للقرن الحادى عشر، ويؤكد عدد من المؤرخين أنها كانت موجودة فى العصر الرومانى. وتعتبر “ديلفت” المدينة الثالثة فى هولندا والتى تم فيها سن القوانين فى عام 1246م وهى أول مدينة تعرف الحُكم الملكى ويتواجد فيها أمير من الأسرة المالكة وذلك عندما جعل منها الأمير “فيلم فان أورانيا” مقرًا له فى القرن السادس عشر ليصبح أول من يحكم هولندا من سلالة أورانيا “عائلة البرتقالي” وهى العائلة المالكة حتى الآن وتنتسب إليها الملكة الحالية “بياتريكس”, ولذلك أطلق عليها اسم مدينة الأمراء، كما جرى التقليد الملكى أن يتم دفن أفراد الأسرة المالكة فى مقابر فخمة وخاصة بـ”ديلفت”, وكان سكانها قديمًا لا يزيدون عن 1200 نسمة، بيوتها مبنية من الطمى والخشب، ويعمل أهلها فى الزراعة وصناعة وصباغة المنسوجات، ودباغة الجلود بالإضافة إلى تجارة المواشى، وكان يتم استخدام القنوات المائية لنقل البضائع والمنتجات من المدينة إلى أرجاء هولندا وخارجها، وقد احتفظت مدينة الأمراء بعراقتها ومركزها التاريخى القديم دون أن يلحقه الدمار، حتى فى ظل الحرب العالمية الثانية، فقد حرصت القوات الهولندية أن تتمركز فى المناطق الهامة التاريخية ومنها “ديلفت” لحماية تراثهم وحضارتهم القديمة، خاصة أنها تضم عددًا من المتاحف مثل متحف الأسلحة والمعدات الحربية القديمة، وكذلك المقر الأصلى للشركة الهولندية للهند الشرقية الذى تحول لشاهد علىالتاريخ لتتحدث هولندا بشجاعة عن تاريخها الاستعمارى القديم.
تشتهر أمستردام بكثرة قنواتها المائية وجسورها وبمقاهيها وحياتهاولعل من زار برج إيفل بباريس، وبرج بيزا بإيطاليا وشهد الصورة الكاملة لهذه المدن من علو، لن يفوته أن يتسلق سلم الكنيسة الجديدة فى قلب “ديلفت” والتى يبلغ ارتفاعها 109 أمتار، لمشاهدة مرحلة تاريخية تعود للقرن السادس عشر، ويجمع فى بؤرة منظار وجه المدينة القديم، و” الكنسية الجديدة” بنيت عام 1381م بالخشب، ثم أعيد بناؤها عام 1496 وبها مقبرة الأسرة المالكة ولا يسمح للعامة بدخول المقبرة الملكية، وجرى عرف دفن أفراد الأسرة المالكة منذ عهد مقتل الأمير “فيلم فان أورانيا” عام 1584م، وآخر من تم دفنه هى الملكة “فيلامينا” جدة الملكة الحالية “بياتركس”، وهناك مقولة شائعة وهى أن الحكم فى هولندا يبدأ من القصر الملكى بـ”دنهاخ”، وينتهى فى الكنيسة الجديدة بقلب “ديلفت”. ويستطيع الزائر لـ”ديلفت” مشاهدتها والاستمتاع بمبانيها ومتاحفها سيرًا على الأقدام، عن طريق الإبحار بالقوارب فى قنواتها المائية التى تحيط بها وتتخللها من كل جانب ويزيد عدد السياح بمدينة “ديلفت” عن 1.4 مليون سائح فى العام الواحد، منهم 400 ألف من غير الدول الغربية، وتعتبر السياحة المصدر الثانى للدخل بالمدينة بعد الصناعة، خاصة الأدوية، فمنذ عام 1843 وحتى اليوم، و”ديلفت” تنتج أكثر من 25% من الإنتاج العالمى للبنسلين.
هذه ملامح رئيسية لمدينة الأمراء والبورسلين التى لا تنام الليل وتمتد فيها الحياة بين المقاهى والمسارح والعروض الموسيقية التى لا تنتهى فى مدينة “سدس” سكانها من الدارسين الشبان وكل زائر لها يشعر أنه أمير يمتلك كل سبل المتعة والانبهار فى مدينة الأمراء.

